دعاة العامية

إن مشكلة الفصحى واللهجات العربية أو العامية حسب أقطار العالم العربي المختلفة قد انتقلت من مشكلة الثنائية اللغوية (فصحى-عامية ) إلى ثلاثية( فصحى – عربية ميسرة- العامية بأنواعها).

إن المانع من تطور العربية الفصحى هو نفسه السبب الذي أتاح لمختلف العاميات أن توجد. ولندع الفصحى جانبا فهي متهمة حتى من الجانب العلماني بأنها بعدم تطورها تسببت في حالة الجمود والعقر الذي يعاني منه المجتمع العربي وثقافته الآن. فهي أما اتهمت بعدم قابليتها للتجدد أو بعدم تقبلها للجديد. وقد حاول المستشرق شارل بيلا توصيف ذلك بشكل دقيق بقوله : "إن التدهور الذي أصاب العربية في مجال التعبير كان في شكل الازدواجية اللغوية ووجود لغة عامية معبرة عن الشعب بجانب الفصحى التي أصبحت منذ القرن السابع الهجري 13 الميلادي لغة تعبر فقط عن صيغ جامدة"، ونحن نضيف هنا أنها تحولت في خاطر شعوب تزيد نسبة أميتها عن 50% في بعض الأحيان إلي لغة طقوسية للدين ولنشرات الأخبار والأحاديث الرسمية والوهمية أحيانا. ونحن من جانبنا نتحفظ إلى حد ما على رأي هذا المستشرق ونقول أن اطر التفكير التي سادت هي التي تسببت في هذا القصور الذي أصاب العربية الكلاسيكية وليس اللغة نفسها.

والاستشراق بحكم أنه هو الذي قام بتشخيص مشكلة ازدواجية اللغة بين فصحى وعامية أراد أيضا أن يضع الحل لتلك القضية بجعل دور العامية غير مقصور عن كونها لغة تخاطب بل لغة كتابة وقراءة أيضا. وكان أول الصدام مع الواقعية التي انتصر لها، هو الجانب الشكلي ونعني به أمر كتابة العامية، فكان الحل حاضرا أيضا لديه، وهو كتابتها بالحرف اللاتيني. لقد شاهد القرن التاسع عشر نجاحا ملموسا في زحزحة الحرف العربي عن خارطته الجغرافية فاختفى لدى كثير من البلاد والأقطار التي كانت تكتب وتقرأ به، وكانت أول اللغات التي استبدلت الحرف اللاتيني بالحرف العربي هي اللغة المالطية وكان ذلك منذ فترة مبكرة جدا، إلا أن القرن 19 هو الذي شاهد اندثار الحرف العربي عن أكثر من 20 لغة غير العربية كانت لفترة طويلة تكتب بالعربي.

لقد ارتبطت الدعوة الاستشراقية باعتماد العامية المصرية (وبالتأكيد المقصود بها اللهجة القاهرية) كلغة كتابة وقراءة مع الدعوة لاتخاذ الحرف اللاتيني وسيلة لكتابتها، ولدينا سبت طويل لأولئك المستشرقين المتحمسين لاعتماد العامية المصرية كلغة للكتابة والقراءة. وربما الجهود الأولى تعود لعلماء الحملة الفرنسية والتي كان غرضها بالأساس علمي بحت، حيث قامت بتجميع عدد من الأغاني والمواويل والأمثال الشعبية المصرية دونتها بالحرف العربي واللاتيني كي يتيسر قراءتها لهم. وقد أشار وليم لاين في كتابه عادات المصريين المحدثين وتقاليدهم الذي كتبه في السنوات ما بين 1833/ 1835 الى أن اللهجة العامية التي يتكلمها المصريون في القاهرة أدنى مستوى من ناحية الدقة اللغوية واللفظية بالمقارنة حتى مع لهجة أهل البداوة في شبه الجزيرة العربية، فما بالك باللغة العربية الفصحى. الا أنه أضاف بأن لهجة أهل مصر محببة للنفوس أكثر من لهجات أهل سوريا وشمال افريقيا، وأن اللهجة المصرية تتسم بالعذوبة والانسياق أكثر من اللهجات العربية الأخرى. كما قدم وليم لاين بعض القواعد الفليولوجية التي تخص هذه اللهجة ولكنها لم تأت في إطار دراسة علمية منظمة(الصفحات 210-211. ولكن الدعوة الحقيقية المنظمة لهذا الأمر بدأت على يد المستشرق فيلهلم سبيتا والذي كان مديرا لدار الكتب الخديوية(سابقا) المصرية حاليا في عام 1875.

لقد ظلت كافة المحاولات المبكرة التي بذلها المستشرقون الأوائل في تطويع الحرف العربي للحرف اللاتيني منذ زمن بدرو دي الكالا الذي ألف في القرن 13 معجما عربيا قشتاليا وضع مقدمته باللهجة العامية الغرناطية، كما قام بوضع الحروف اللاتينية المقابلة للحروف العربية أو ما اصطلح على تسميته "الترانسكريبشن Transcription" وعمد الى كتابة اللهجة الغرناطية ونطق الكلمات في معجمه بهذه الطريقة و تعد هذه أولى المحاولات الأوربية في هذا الصدد. ولا شك أن مثل هذه المحاولات المبكرة كان الغرض منها التيسير في تعلم العربية آنذاك والاستفادة من معجمه الذي ألفه.

لقد ظلت جميع الجهود من أجل تطويع الحرف العربي للحرف اللاتيني محاولات محلية ليس الغرض منها إلغاء الحرف بقدر ما كانت تسهيلا نحو دراسة الثقافة العربية. ولكن مع بدء العصر الاستعماري ظهر التوجه نحو ترويج الحرف اللاتيني بمزيد من الإصرار، وبالرغم من أن المحاولات الأولى لتطبيق ذلك بدرت من الفرنسيين في مستعمراتهم العربية في الشمال الأفريقي إلا أن هذه المحاولات ما لبثت أن اختفت تحت وطء سياسة الفرنسة وبالتالي انتفت الحاجة لكتابة العربية أو اللهجات البربرية بالحرف اللاتيني لدى مستشرقيها طالما أن شعوب تلك المنطقة أصبحت تتخاطب بالفرنسية. لكن الوضع اختلف في دول وأقطار عربية أخرى. وبرزت تلك المحاولات في مصر كما ذكرنا سابقا على يد المستشرق سبيتا، حيث قدم سبيتا أول دراسة علمية متكاملة في كتابه "قواعد اللهجة العربية العامية في مصر " الذي نشره بعد انتهاء الثورة العرابية واحتلال مصر من قبل الإنجليز ومع قرب انتهاء القرن 19 ، وقدم له بالترويج لاستعمال العامية المصرية بدلا من الفصحى على أن يتم كتابتها بالحرف اللاتيني.

لقد جاءت دراسته منظمة بشكل جيد وطرحت في الأوساط الاستشراقية والمصرية، وبمؤازرة الكثير من المستشرقين الآخرين آنذاك أمثال باول وفيلوت وبوريان وانضم إليهم الأثري ماسبيرو ورجل السياسة ويلكوكس. كما قام المستشرق ك . فوليرز النمساوي الذي خلف سبيتا في إدارة دار الكتب المصرية في متابعة خطى سلفه وأصبحت جريدة المقتطف الموالية للإنجليز هي حاملة لواء الدعوة. ومن مصر أخذت الدعوة طريقها إلى المؤسسات الاستشراقية في أوربا حيث طرحت على مائدة البحث أول مرة وعلى المستوى الدولي في مؤتمر المستشرقين الذي عقد في فينا في سنة 1886. أما في المؤتمر الذي تلاه والذي انعقد في ستوكهولم بالسويد عام 1889 فقد واجهت الدعوة هناك صوتا عربيا منفردا تصدى لأراء جمهرة المستشرقين وهو صوت أمين فكري أحمد الذي قدم بحثا بعنوان " نبذة في إبطال رأي القائلين بتعويض اللغة العربية الصحيحة باللغة العامية في الكتب والكتابة" .

ومن هذا المنطلق بدأت المؤسسات الاستشراقية والمؤسسات الاستعمارية في دفع هذه الفكرة داخل أوساط المثقفين المصريين والعرب، بل اتخذت لذلك صيغا رسمية في بعض الأحوال حيث نرى أن المستشرق الانجليزي الشهير مارجوليوث يكثف نشاطه الرسمي مع الدول العربية وغير العربية كمبعوث لوزارة المستعمرات الإنجليزية لإجراء مباحثات بهذا الشأن في القاهرة والقدس ودمشق من أجل إقناع حكومات تلك البلدان باعتماد العاميات العربية والحرف اللاتيني في كتابتها بهذه الدول. وقد استجابت بعض الصحف والمجلات لهذه الأفكار فقامت بعرضها على صفحاتها لجماهير القراء وجرت مساجلات ومعارك أدبية خاصة خلال العقدين الأول والثاني من القرن العشرين. وكانت هناك أراء مضادة وأراء محبذة من قبل المثقفين العرب. وقد نشر جميل صدقي الزهاوي الشاعر العراقي المعروف مقالا في جريدة المؤيد القاهرية يحبذ فيه هذه الدعوة وذلك في التاسع من شهر أغسطس آب 1910 تحت عنوان "لغة الكتابة ووجوب اتخاذها باللغة المحلية" كرر فيها قولة ويلكوكس الشهيرة وماذا يضير العرب الذين يتكلمون بغير لغة الكتابة لو كتبوا بلغتهم المحلية لتعم الكتابة ويقرأ السواد الأعظم من الناس" والحقيقة أن الردود على مثل هذه المقالات تراوحت بين الإفادة الجادة والمهاترات الكلامية وربما كانت الانتقادات التي وجهها رشيد رضا صاحب مجلة المنار وعلى صفحات العدد الثالث عشر 1910 أكثرها علمية. ولم تلبث أن انتقلت القضية إلى المحافل العلمية والصالونات الأدبية، ففي سنة 1944 وفي جلستي 24 و31 من يناير كانون الثاني قدم عبد العزيز فهمي السياسي المصري المعروف اقتراحا إلى جلسة مجمع فؤاد الأول بالقاهرة (المجمع العربي اللغوي حاليا) باعتماد الحرف اللاتيني لرسم الكتابة العربية واستعمال العامية المصرية لغة للقراءة والكتابة، تبع ذلك على الفور حمى من المساجلات الكلامية نظرا لكون عبد العزيز فهمي أحد رجالات الحكم في مصر وكان يؤازره عدد آخر من السياسيين والمثقفين ، وكانت هناك دعوة سابقة من أحمد لطفي السيد الذي كان له اقتراحا وسطا وهو التقريب ما بين الفصحى والعامية ونشر أرائه تلك في جريدة "الجريدة" على صفحات أكثر من عدد في سنة 1912. بل كانت هناك محاولات لكتابة بعض المؤلفات العربية بالحرف اللاتيني كالتي قام بها يواكيم مبارك الذي ألف كتابا بعنوان "مختارات من الأدب العربي" كتبه بالحرف اللاتيني حسب طريقة يوجين تيسران عضو المجمع الفرنسي" كما ذكر.

مع فشل المحاولات الرامية لتأسيس لغة عامية مكتوبة ومقروءة في المشرق العربي وجدت هذه المحاولات طريقها للمؤسسات العلمية الأوربية. وبالفعل باشرت بعض الجامعات الغربية بتدريس اللهجات في أقسامها المتخصصة واعتمدت لذلك الحرف اللاتيني على الأساس الذي وضعه سبيتا وتبعه في ذلك المستشرق الأمريكي أيننو ليتمان، ولا نستطيع القول رغم ذلك أن تدريس اللهجات العربية سواء كانت المصرية أو غيرها يستحوذ على نفس عدد الساعات المخصصة للغة العربية ولكن عددها يتفاوت من جامعة إلى أخري، وهناك بعض المعاهد التي لم تجد اللهجات طريقها إليها بعد.

وبالرغم من أن وليم لاين يحاول على صفحات كتابه "عادات المصريين المحدثين" أن يقلل من أهمية التفاوت بين اللهجة المصرية واللغة الأدبية مدعيا بأنه لا فرق كبير بين اللغتين كما يعتقد بعض المستشرقين وأنه ببساطة اذا حذفنا الفروقات الصوتية واللواحق في نهاية الكلمات فأننا بالتالي لا نجد هذا الفارق المميز بين اللغتين ونعيد اللهجة المصرية الى الحظيرة الأم، كما يؤكد لين بأنه لا فرق كبير بين اللهجات في البلدان العربية المختلفة وبين بعضها البعض ، وربما سبب الخلاف يرجع الى كثرة المترادفات العربية التي يسود استعمالها بين كل بلد وآخر ، بل و يؤكد بأن هذه اللهجات تتشابه فيما بينها أكثر بكثير من لهجات المناطق الانجليزية المختلفة .

رغم كل هذا فان الواقع يقول أنه كانت هناك حاجة ماسة لتدريس العامية في المعاهد الاستشراقية وهي حاجة ونشأة واقعية موضوعية، فعلاقة التثاقف بين الشرق والغرب تتطلب تعامل لغوي دون عائق فعلي، فالأوربي الذي تلقى العربية الفصحى في معاهده سوف يصطدم بالضرورة بواقع لا يتخاطب بهذه اللغة حينما يحتك بالعربي، فاذا ما تحدث معه بالفصحى فان لم يقابل بالاستهزاء في بعض الأحيان فعلى الأقل بابتسامة سخرية. اذا ماهي الضرورة في تعلم الفصحى طالما أن أصحابها لا يتخاطبون بها؟. لهذا نشأت ضرورة تعلم اللهجات المحلية أو العامية للتفاهم بها مع أصحابها، واللهجات العامية بحكم طبيعتها لا تجد حرجا في تقبل كلمات من اللغات الأخرى دون حساسية. كما أن التعبيرات الساخرة Irony وفن الضحك والنكتة والأمثال الشعبية والتعبير العاطفي والأغاني لا تجد طريقها لوجدان الفرد إلا من خلال اللغة المتخاطب بها. وليس هذا بالأمر الغريب فالإضحاك والمسرحيات الهزلية سواء كان في أمريكا أو أوربا تتجه منذ فترة إلى الاعتماد على الكلمات واللغة والتعبيرات الدارجة ولا يتم التعبير عنها بلغة جادة وليس هذا بالشيء الجديد أيضا بالنسبة للعربية.

بالطبع أصبح الحرف اللاتيني هو الأساس في كتابة وقراءة تلك اللهجات وتحولت الطريقة المقطعية Ecriture Syllabique المستعملة عادة في كتابة الفصحى أو حتى في كتابة بعض النصوص العامية لأمور موضوعية كالمسرحيات العامية أو الأغاني كما في مصر على سبيل المثال الى طريقة الكتابة النطقية Ecriture Phonetique وبهذا تصبح الكتابة تصويرا نطقيا دقيقا للكلمة. مع ذلك فتطبيع الحرف العربي مع الحرف اللاتيني .

أول من دعا إلى ذلك والف فيه الدكتور / ولهم اسبيتا .. الألماني الجنسية والذي كان مديراً لدار الكتب المصرية . ففي سنة 1880م وضع كتاباً عنوانه " قواعد العربية العامية في مصر " وهذا الكتاب يعده الباحثون أول محاولة جدية لدراسة لهجة من اللهجات العربية المحلية ، ودعا سبيتا في كتابه إلى اتخاذ العامية لغة أدبية بحجة صعوبة اللغة العربية الفصحى ، وأشار بطريقة ما كرة إلى فتح العرب لمصر ، ونشر لغتهم العربية بين أهلها وقضائها على اللغة القبطية لغة البلاد الأصلية. وهو يحاول بهذا إثارة العنصرية العرقية المصرية ضد اللغة العربية .

وقد تلا مستر سبيتا في الدعوة إلى العامية { اللورد دوفرين} الوزير البيطاني الذي قام بزيارة مصر لإي أول سنوات الاحتلال وبالتحديد عام 1882م. فرفع بعد زيارته تقريراً إلى وزير الخارجية البريطاني دعا فيه إلى معارضة الفصحى ، وتشجيع لهجة مصر العامية .ويعد (( ويلكوكس )) الذي مات عام 1932مبعد أن قضى من عمره في مصر 49عاماً في عمل دائب وجهد متواصل من أجل دعوته على مهاجمة اللغة العربية والتبشير بدينه الفاسد.

ويعد (( ويلكوكس )) من أطول المبشرين نفساً وأكثرهم إلحاحاً، فقد بذل جهوداً كبيرة بين التأليف والمحاضرات من أجل دعوته ، فمثلاً في سنة 1926م نشر " ويلكوكس" رسالة بعنوان :" سوريا ومصر وشمال أفريقيا تتكلم البونية لا العربية ". وقد وجه الدعوة في هذه الرسالة إلى ضرورة اتخاذ العامية لغة للتعليم بدل العربية الفصحى . واقترح تحديد مدة زمنية مقدارها عشر سنوات ، ورأى أن هذه المدة كفيلة بتخليص المصريين من الصخرة الثقيلة التي يعانون منها باستخدام العربية الفصحى .

وقد تلا (( ويلكوكس )) القاضي الإنجليزي (( سلدن ولمور )) وبعده الإنجليزي ((باول )) عام1926م الذي اشترك مع زميله (( فيليوت )) أستاذ اللغات الشرقية بجامعة (كمبردج) في وضع كتاب باللغة الإنجليزية أسمياه ( المقتضب في عربية مصر ) وهو يتناول الدعوة إلى اتخاذ العامية بدلا من الفصحى . وقد حاولا في كتابهما أن يضعا قواعد لتسهيل تعليم اللغة العامية .. ولم ينسيا أن يذكرا بألم وحرقة ما تعانيه اللغة العربية من صعوبة.

ولم يقف الأمر عند هذه الجهود الفردية ، بل إن حكومات الاحتلال قد سعت وشجعت إنشاء جرائد باللغة الدارجة ، وقد صدر منها عام 1900م وحده سبع عشرة جريدة.

لقد تبنى عدد من العرب أمثال " سلامة موسى " الذي أثنى على" ويلكوكس"وأشاد بجهوده وعده أحد المخلصين لمصرثم قام بعده " أحمد لطفي السيد الذي يعد من أوائل المصريين الذين حملوا لواء الدعوة إلى العامية .

وقد دعا إلى تمصير اللغة العربية ، وكتب في ذلك عدداً من المقالات نشرت عام 1913م في صحيفة "الجريدة" ، ثم جاء بعدذلك قاسم أمين ، والخوري مارون غصن ، ومحمود تيمور ، وسعيد عقل ، وأنيس فريحة ، ولويس عوض .. وغيرهم .

من أبرز ممثلي هذا الاتجاه عبد الله النديم، أحد قادة الفكر العربي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ، وقد استخدم العامية في مقالاته، مشيراً إلى الإيمان بالحاجة إليها لايقاظ الوعي الشعبي، وبكونها تصلح للكتابة، فخصص بابا للعامية في صحيفة (الأستاذ) عام ١٨٩٢، بعد أن أصدر بالعامية مجلته( أبو نظارة) عام (١٨٧٨)، ثم ( التنكيت والتبكيت) عام (١٨٨١) ، فلم يتهمه أحد بالعداء للفصحى أو العجز عنها، ولقيت المجلتان رواجاً منقطع النظير، وغزت مقالات النديم الإصلاحية، قرى الريف ونجوع الصعيد، وآزر قادة اليقظة القومية هذا الاتجاه، وقدروا جدواه)، كما تذكر د. عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطىء) في كتابها ( لغتنا والحياة).

أما الثاني فرأى أصحابه ضرورة الكتابة باللهجة المحلية، ونشر الصحف والمجلات والمؤلفات العلمية بها، مع هجر الفصحى لأنها غير ملائمة للحياة المعاصرة ونهضتها، فضلاً عن صعوبات مواكبة اللغة العربية للعلوم الحديثة المتقدمة في العالم المعاصر، لاسيما العالم الغربي، ومصطلحاتها. وقد مثَّلَ هذا الاتجاه عدد من المستشرقين ، ثم نافح عنه عدد من المثقفين العرب، أبرزهم سلامة موسى في كتابه :(البلاغة العصرية واللغة العربية). إلى جانب ذينك الاتجاهين، برزت فكرة تلقيح العربية الفصحى بالعامية، وهو ماانتشر نظريا وإجرائيا مع عدد من الأدباء والنقاد، لاسيما المصريين، إذ نجد محمد عبد المنعم خفاجي ، في كتابه (مذاهب الأدب)يثني على أحمد أمين قائلاً: ( وينادي في كتابه ( فن القول) بتلقيح العربية بالعامية بإحياء الألفاظ العامية وإدخالها في الأداء الأدبي). وهذا القول ينسجم مع توجه كمال يوسف الحاج، في لبنان، إذ يرفض الجدل بين أنصار العامية والفصحى ويدعو لوجودهما كلتيهما، ويرى أن في الإنسان وجداناً وعقلاً وأن الأولى مهمة للتعبير عن الأول والثانية للتعبير عن الثاني.

فتنطلق ( بنت الشاطىء) د. عائشة عبد الرحمن في كتابها ( لغتنا والحياة) من الإقرار بأن ( اللغة العربية هي اللسان القومي لشعوب الوطن العربي)، وإعلان عدم الاعتراف باللهجات ( لسان قومية)، ووسيلة تفاهم مشترك، وأداة اتصال فكري عبر الحدود)، قائلة: ( ومهما تختلف اللهجات المحلية لهذه الأقطار، فإنها لاتعرف غير العربية لسانَ قوميةٍ، ووسيلةَ تفاهم مشترك، وأداةَ اتصالٍ فكريٍّ عبر الحدود والمسافات). أمام الشعور بأهمية القضية، تتكرر صيحات إعلان خطر اللهجات على القومية العربية والعربية الفصحى، من حين إلى حين، فينقل معاصرو الشاعر أحمد شوقي قوله ذات يوم:(إنني أخشى على الفصحى من بيرم)،- أي بيرم التونسي الشاعر الذي كتب قصائده باللهجة المصرية، وتحققت له شهرة ومكانة واسعتان-، وهذه الخشية ملموسة في مؤلفات كثير من الأدباء والباحثين، يعبر عنها موقف عبد المعين ملوحي الذي يرى فيما يراه، أن خطر اللهجات لايهدد العربية الفصحى فقط، فهو خطر على وجود الأمة، ويقول:( العرب أمة واحدة ولها لغة واحدة، أمَّا تفرُّدُ كلِّ قطرٍبلهجة فسيؤدي إلى نشوء أمم عدة، كما حدث عندما توزعت اللغة اللاتينية إلى لهجات وأصبحت كلُّ لهجةٍ لغةَ أمة كالأمة الفرنسية أوالإيطالية أو الأسبانية). لقد مر زمن طويل على نشوء الحوار الثقافي العربي، حول العامية والفصحى، ودوريهما في الأدب والحياة، وإذ تعيد الثقافة العربية تجديد الأسئلة الجوهرية لمشاريع نهضتها الحديثة المتنامية منذ مطالع القرن التاسع عشر