في غرفه مغلقه

يناقش الفيلسوف الفرنسي سارتر في هذه المسرحيه ذات الفصل الواحد فلسفته الوجودية . وفي النص الأصلي يعني الإسم ” في غرفه مغلقه ” أو مناقشه وراء الأبواب كما في جلسات المحكمه حينما يدور النقاش في جلسه مغلقه قبل النطق بالحكم . وفي الترجمة الانجليزية تم تغير الإسم إلى “لا مهرب أو ممنوع الخروج ” أو الباب ألمسدود “. الشخصيات الرئيسيه في المسرحيه دخلوا إلى الغرفه كعقاب على خطاياهم في الحياه و المسرحيه تجري في الاخره وعلى وجه الخصوص في الجحيم .. وفي هذه المسرحيه نجد الإقتباس الأشهر عند سارتر “L’enfer C‘est Les Autres” أو “الجحيم هو الآخرون” وهو شعار للمسرحية.

كان الفيلسوف سارتر أول من استخدم مصطلح الوجودية في الفلسفة على الرغم من أن المفهوم الفلسفي يعود الى القرن 19 ونجده عند فلاسفة اخرين مثل كيركيغارد ونيتشه . وكانت القضايا الوجودية عنصر رئيسي في الأدب العالمي مثل أعمال دوستويفسكي وكافكا وقد أثارت رواياتهم قضايا حول عبثية الحياة ومعضلة ألاختيار ألشخصي وحرية الإنسان مع ما يترتب على ذلك من مسؤوليته عن اختياره .

في الفلسفة الوجودية الإنسان يخلق وجوده الخاص ؛ ويتم تشكيل كيانه بمجرد ان يكتشف عبثية الحياة، و حينما يدرك حريته وقدرته على الاختيار . الإنسان يصنع وجوده من خلال خياراته الخاصة وتصرفاته ، بما في ذلك إنهاء وجوده الخاص تماما كما عند البير كامي . إن الإنسان حينما يحاول تحقيق حريته يجد نفسه في مواجهة ألشعور بالقلق الوجودي . هذا الشعور بالقلق يجعل بعض الناس يختارون العيش في حياة زائفة أو العيش “بسوء نية” كما يسميه الوجوديون .والناس في محاولة لتجنب حريتهم وما يتبعها من قلق يحاولون “الهروب من الحرية” اولا بنسب أعمالهم لحتميه في جيناتهم أو ماضيهم أو بعقلنة وتبرير تصرفاته أو بالخضوع للقيم المطلقة في المجتمع أو التقاليد. وعندما يبنون كل ما لديهم في الحياة على بعض القيم أو التصورات الثابتة ثم فجأة يكتشفون أن كل هذا زائف ، ويسقطون في اليأس.

ولا يتم تحديد وجود الإنسان من تجاربه الذاتية، وخياراته وأفعاله ، ولكن أيضا من خلال وجود الآخر. فنظرات الآخريين تحد من حريته الذاتية وتحوله إلى موضوع للأخر .

في المسرحية ، يتعرض الكاتب بوضوح لهذه المعضلة الوجودية . عندما يتم إدخال جوزيف جارسين إلى الغرفة ، والجمهور يدرك أن هذه الغرفة في الجحيم . الغرفة بلا نوافذ ولا مرايا ولا مهرب إلا الباب، الذي يدخل منه في وقت لاحق ، وينضم إلى جارسين شخص آخر، إينيس سيرانو، وعقب ذلك تنضم إليهم امرأة أخرى ، استل ريجوه . والثلاثة في مواجهة بعضهما البعض بعيون مفتوحة وبدون مرايا لايروا انفسهم إلا في عيون الآخرين. الممثلون والجمهور يكتشفوا أنه لا يوجد تعذيب في الجحيم إلا نظرات الآخرين . والكشف عن خطايا بعضهم البعض ، والرغبات والذكريات المؤلمه . هذا هو نموذج لمجموعة مواجهة مع ثراء من ألاحتمالات عند ألنهاية.

قرب نهاية المسرحية ، يصرخ جارسين طالبا الخروج من الغرفة ، ولكن عندما يفتح الباب فجأة ، يجد انه غير قادر على اتخاذ الخطوة الأولى للخروج خوفا من المجهول.

يكتشف الجمهور أن جارسين، قبل وفاته، كان يعمل كصحفي وقد رفض الانضمام للحرب في بلده واطلق النار عليه للخيانه . عاش حياته بسوء نية غير قادر على اتخاذ قرار ، كان يخون زوجته. قرب النهاية، عندما يرفض الخروج من الباب المفتوح ، يبرر ذلك بأنه يخشى من الوحدة وعدم القدرة على مواجهة حريته ومسؤوليته ، وهو يفضل أن يبقى في الجحيم ، و أن يصبح كائنا تحت اعين الآخرين.

إينيس ، وهي امرأة من الطبقة العاملة ، تأخذ في تعذيب ألاثنين ألآخرين بطريقة سادية، ويبدو أنها أخذت دور الميسر للمواجهة في المجموعة. انها تلوم الآخرين لعدم اتخاذ المسؤوليه عن أعمالهم السابقة وتستمر في نزع اعترافاتهم من بين عذاب ذكرياتهم. انها تجعل جارسين يفهم أنه يفتقر إلى الشجاعة على الرغم من انه يعتقد في نظام القيم التي تعلي من هذه الفضيلة . انها تجعله يرى نفسه كانسان جبان. إينيس ، نفسها ، امرأة مثليه في رغباتها الجنسية تعمد إلى كشف ضعف الأخرين ، اما استل ريجوه فهي امرأة لا ترى نفسها إلا في عيون الأخرين .

استل ريجوه امرأة مجتمع باريسية تجعل نفسها كائنا يشترى بالمال عندما تزوجت من رجل غني وتقدم الأعذار لنفسها أنها فعلت ذلك من أجل دعم عائلتها ماديا . انها تخدع أيضا هذا الزوج حينما تقيم علاقة غرامية مع شاب وتحمل بطفل منه قتلته بأن اغرقته . استل تحتاج إلى الآخرين لتغذية وجودها، تحتاج إلى رجل يرغبها . انها تجعل نفسها موضوع ، لأنها غير قادرة على تحمل المسؤولية لكونها حرة . طوال المسرحية ، تطلب من جارسين النظر في وجهها، واحتضانها ، ولمسها.

وكل من استل وجارسين ملتصقين بماضيهم ويروا أصدقائهم وأحبائهم مرة أخرى على الأرض . وجودهما يحدده ماضيهم بسوء نية . جارسين يبرر وجوده ب “القدر ” ، ويقيم أفعاله الماضية من خلال خيارات ألآخرين. من ناحية أخرى، ترى إينيس ماضيها بلامعنى واختارت أن تعيش في الوقت الحاضر. انها تقطع كل تعلق بالماضي وتقول للاثنين الآخرين لم يتبقى لكما من شيء على الأرض وجميع ما لديكم هنا. إينيس ترفض أن يحدد الماضي حريتها وهذا ما ساعدها في اختيار جوهرها في الوقت الحاضر. وانها الوحيدة من الشخصيات الثلاثة التي كانت قادرة على مواجهة مسؤوليتها ومعاناتها في نفس الوقت . هي قادرة على رؤية اليأس وأن تبدأ الحياة على الجانب الآخر من اليأس.